حيدر حب الله

268

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

لوجدنا أنّه بعد القرن الخامس لم تعد هناك معطيات أوليّة في مثل علم الرجال والجرح والتعديل ، وإنما صار العلماء يعتمدون على المعطيات الأولية التي تبلورت في مرحلة مسبقة ، يشهد على ذلك مراجعة كتبهم فهي تنطق من جهة بممارستهم الاجتهاد ومقاربة النصوص والوثائق ومقارنتهما ، كما تحكي من جهة أخرى عن نوعيّة المصادر المعتمدة في الوصول إلى معلومات ، فمثل كتاب خلاصة الأقوال للعلامة الحلي أو تهذيب الكمال للمزي أو الرجال لابن داود أو الذهبي في تذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء ، كلّها كتب ناطقة - تصريحاً أو مقارنةً - بمصادرها المعتمدة . وهذا ما يدفعنا إلى إثارة نقطة إضافيّة ، وهي أننا اليوم في ظلّ تطوّر المعلوماتية وأجهزتها وفي عالم الأقراص المدمجة والمكتبات الالكترونية التراثية العملاقة ، وفي ظلّ اكتشافات مذهلة وتصحيحات واسعة للنسخ والمخطوطات والكتب . . في ظلّ هذا الوضع كلّه ، قد نكون - على بعض المستويات - ممن يملك مادةً أولية ومصدريّة أكبر وأهم من مثل المزي والعلامة ، وقدرة وسرعة وصول أكبر للمصادر والكتب ، فإذا أضفنا إلى هذا الأمر التطوّر الذي بلغته العلوم الإسلاميّة في عصرنا ، وإمكانية التطوّر الذي يمكنها الوصول إليه ، سنرى أنه من البعيد الحديث عن ترجيح لأمثال هؤلاء المتأخّرين علينا . إذن ، فعناصر مثل تساهل المتأخّرين ، وظهور الاجتهاد بينهم ، واشتراكنا معهم في الموادّ الأولية إلا نادراً ، وتفوّقنا عليهم في مجال الرصد والتحليل ، ذلك كلّه يلغي أساس افتراض حجيّة قولهم علينا ، فلو كان قولهم حجّة للزم أن يكون كذلك في الفقه والأصول وغيرهما أيضاً ! وإنما طرحنا القرن الخامس الهجري ؛ لأننا نعتقد أن هذا القرن كان - تقريباً - قرن نهاية الأسانيد ، فلم تظهر بعده أسانيد مستقلّة إلا نادراً ، وما كتب بعده كان اقتباساً مما جاء في المصادر التي كتبت قبله ووصل أغلبها إلينا ، ويندر أن نجد أسانيد وطرقاً جديدة ، وهذا الأمر واضح جداً في المذهب الإمامي ، بل وكذلك في المذاهب الأخرى ، فالشيء المؤكّد أنّ ما بعد القرن الخامس الهجري ، أي ما بعد كلّ من الطوسي والخطيب البغدادي ، هو قرون